ابن كثير
433
السيرة النبوية
قد أنزل الرحمن في تنزيله * في صحف تتلى على رسوله فاليوم نضربكم على تأويله * كما ضربناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله قال : وتغيب رجال من أشراف المشركين أن ينظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غيظا وحنقا ، ونفاسة وحسدا . وخرجوا إلى الخندمة ( 1 ) ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وأقام ثلاث ليال ، وكان ذلك آخر القضية يوم الحديبية . فلما أتى الصبح من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة ، فصاح حويطب بن عبد العزى : نناشدك الله والعقد لما خرجت من أرضنا ، فقد مضت الثلاث . فقال سعد بن عبادة : كذبت لا أم لك ليس بأرضك ولا بأرض آبائك والله لا يخرج . ثم نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيلا وحويطبا فقال : " إني قد نكحت فيكم امرأة فما يضركم أن أمكث حتى أدخل بها ونصنع الطعام فنأكل وتأكلون معنا " فقالوا : نناشدك الله والعقد إلا خرجت عنا . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع فأذن بالرحيل ، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل ببطن سرف وأقام المسلمون وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع ليحمل ميمونة ، وأقام بسرف حتى قدمت عليه ميمونة ، وقد لقيت ميمونة ومن معها عناء وأذى من سفهاء المشركين ومن صبيانهم ، فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف فبنى بها ثم أدلج فسار حتى أتى المدينة . وقدر الله أن يكون موت ميمونة بسرف بعد ذلك بحين ، فماتت حيث بني بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
--> ( 1 ) الخندمة : جبل بمكة